<<<اللغة العربية حاملة الثقافة ووعاؤها ولسان حالها ، ومن ثم فإن إرتباطهما وثيق ،وتفاعلهما أكيد ، فكلما ارتقت الثقافة وعظم شأنها ،انعكس ذلك إيجابا على اللغة ، وكانت مجاراتها الثقافة في السمو الإرتقاء أمرا واقعا لا يداخلة الشك والريبة ، إذ تتسع قدرتها على التعبير عن الأفكار والمشاعر ، وتتزايد مواكبتها لكل ما يطرأ على شؤون الحياة من تطور وتقدم ، فيكون استيعابها للنتاج الثقافي والفكري متسما بالشمول والدقة . ومن البدهي — والحال كذلك — أن يكون الإنعماس سلبيا حين تضمحل الثقافة ، ويذبل الفكر ، فتأخذ اللغة في الضمور والتراجع ، والعجز عن التجديد ومواكبة التطور ، وقد ينتهي بها الأمر إلى الموات والإندثار. وهذا ما حدث للغات كانت –يوما– ملء السمع والبصر ، فصارت أثرا بعد عين ، بل إن هناك لغات اختفى أثرها ولم يعد لها ذكر ، واللغة العربية أنموذج فريد لهذا الإرتباط والتفاعل ، لما تتسم به من قدرة كبيرة على حمل مضامين الثقافة والفكر اللذين تعبر عنهما ، وهذه القدرة التعبيرية تستمدها من كونها لغة القرآن الكريم ولسانه المبين الذي عجز عن مباراته كل من ملك ناصية البيان ، وسبر أغوار اللغة وأسرارها ،مما يعد تشريفا وتكريما للغة الضاد التي خصها الله سبحانه وتعالى بدقة الأداء ،وقدرة الإحاطة بدقائق المعاني ، وكفلها بحفظه ، حين تكفل بحفظ كتابه العزيز. وهذا يفسر بقاء اللغة العربية حية في النفوس على الرغم من الوهن الذي أصاب أهلها ، بينما اندثرت لغات أخرى كثيرة حين ضعفت قوة الناطقين بها ، وتوارت ثقافتهم بعيدا من مراكز الريادة والصدارة >>>